الشيخ علي أحمد عبد العال الطهطاوي

82

عون الحنان في شرح الامثال في القرآن

هو الحال في نزوله منجما ، فقد جعل ما اتخذوه وسيلة إلى القدح وسيلة إلى تبكيتهم وإلزامهم ، وهي غاية التبكيت والإلزام ، فإنهم طولبوا مرة بأن يأتوا بمثل هذا القرآن بقوله تعالى : قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ [ الإسراء : 88 ] . ومرة بأن قيل لهم : فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَياتٍ [ هود : 13 ] ، فالحجة في إثبات نبوّته ، عليه الصلاة والسلام ، هي القرآن ، إلا أنهم لما ارتابوا في حجته ، وطعنوا فيه باحتمال كونه مفترى ، أزال شبههم بهذه الآية التي بيّن بها إعجازه ، فإنهم إذا عجزوا عن الإتيان بما يوازى أقصر سورة منه ، ظهر كذبهم في تجويز الاختلاق والافتراء ، وتبين كونه من عند اللّه تعالى ، كما يدعيه من نزل عليه ، وقد عرفهم اللّه تعالى بهذه الآية ما يتعرفون به إعجازه وكونه نازلا من عند اللّه تعالى كما يدعيه من نزل عليه ، وهو أن يمتحنوا أنفسهم ويجربوا طبائعهم هل يقدرون على إتيان ما يوازى أقصر سورة مما أتى به من لم يكتب ، ولم يقرأ ، ولم يخالط القراءة . فهو تعالى لما بين بهذه الآية ما هو الحجة على نبوّته ، عليه الصلاة والسلام ، بعد ذكره الحجة على وحدانيته ، صارت الآيتان بمنزلة أن يقال : لا إله إلا اللّه محمد رسول اللّه . وأما الثالث : وهو ثبوت المعاد : فإن اللّه تعالى ذكر الدليل عليه بقوله سبحانه : فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ [ البقرة : 24 ] ، أي فاتقوا الفساد المستلزم له دخول النار ، فاتقاء النار كناية عن اتقاء الفساد المستلزم له . وبيان ذلك وإيضاحه : أنه تعالى لما بيّن لهم ما يتعرفون به أمر الرسول صلى اللّه عليه وسلم ، وما جاء به ، وميز لهم الحق من الباطل ، رتب عليه ما هو كالخلاصة والفذلكة له ، وهو أنكم إذا اجتهدتم في معارضته وعجزتم جميعا عن الإتيان بما يساويه أو يدانيه ، ظهر أنه معجز ، والتصديق به واجب ، فآمنوا به واتقوا العذاب المعد لمن كذب ، وفي هذا إثبات للمعاد من حيث إنهم لن تكون منهم معارضة أبدا ، وعليه فالواجب عقلا ومنطقا أن يصدقوا بالقرآن وبكل ما جاء فيه مما يعم الوعد والوعيد في دار البقاء . ولا بدّ لنا من أن نبين ، ونحن في هذا المقام ، كيف أفاد لفظ النَّاسُ في الآية السابقة العموم ، فنقول : استدل العلماء على أن الجموع المحلاة بالألف واللام نحو : الرجال ، والنساء ، وأسماء الجموع نحو : القوم ، والرهط ، والناس تفيد العموم والاستغراق بثلاثة أوجه :